السيد هادي الخسروشاهي

53

عبد الله بن سبأ بين الواقع والخيال

خفيّة تتستّر بالكيد ، وتتداعى فيما بينها إلى الفتنة ، حتى إذا تهيّأت لها الأمور وثبت على الخليفة ، ما كان من الخروج والحصار وقتل الإمام ، ويخيل إليّ أن الذين يكبّرون من أمر ابن سبأ إلى هذا الحدّ يسرفون على أنفسهم وعلى التاريخ إسرافاً شديداً . وأول ما نلاحظه أنّا لا نجد لابن سبأ ذكراً في المصادر المهمة التي قصّت أمر الخلاف على عثمان ، فلم يذكره ابن سعد حين قصّ ما كان من خلافة عثمان وانتفاض الناس عليه ، ولم يذكره البلاذري في أنساب الأشراف ، وهو فيما أرى أهم المصادر لهذه القصة وأكثرها تفصيلًا . وذكره الطبري عن سيف بن عمر ، وعنه أخذ المؤرّخون الذين جاءوا بعده فيما يظهر . ولست أدري أكان لابن سبأ خطر في أيام عثمان أم لم يكن ؟ ! ولكنّي أقطع بأن خطره - إن كان له خطر - ليس ذا شأن ، وما كان المسلمون في عصر عثمان ليعبث بعقولهم وآرائهم وسلطانهم طارئ من أهل الكتاب أسلم أيام عثمان ، ولم يكد يسلم حتى انتدب لنشر الفتنة وإذاعة الكيد في جميع الأقطار ، ولو قد أخذ عبداللَّه بن عامر أو معاوية هذا الطارئ الذي كان يهودياً فلم يسلم إلّاكائداً للمسلمين ، لكتب أحدهما أو كلاهما فيه إلى عثمان ، ولبطش به أحدهما أو كلاهما » . ثم يضيف قائلا : « والذي يكتب إلى عثمان يستأذنه في البطش بابن أبي بكر وابن أبي حذيفة وعمار بن ياسر في بعض الروايات ، خليق ألّا يعفي من عقوبته رجلًا من أهل الكتاب قد اتّخذ الإسلام لإثارة الفرقة بين المسلمين ، وتشكيكهم في إمامهم ، بل في دينهم كلّه . ولم يكن أيسر من أن يتّبع الولاة هذا الطارئ وأن يأخذوه ويعاقبوه ، وهم كانوا مهرة في تتبّع المعارضين ، وإخراجهم من ديارهم ، وإرسالهم إلى معاوية أو إلى عبد الرحمان بن خالد بن الوليد . ومن أغرب ما يروى من أمر عبداللَّه بن سبأ هذا : أنّه هو الذي لقّن أبا ذر نقد